عادةً عندما تقف عند قرار جديدة، تعلق بين خيارين، إما أن تحاول إرضاء جميع أعضاء الفريق وتضيع بين الآراء و تعطلك اجتماعات المشورة، أو أنك تتحمّل العبء وحدك وتجعل الموضوع تحت مسؤوليتك وتصرفك بدلًا من الدخول في الدوامة السابقة. وربما تمرّ بالحالتين: تسأل الجميع ثم تقرر وحدك بما تراه مناسبًا. وغالبًا تكون نتيجة الحالات السابقة هي ضعف الالتزام بالقرار.
لماذا سؤال الجميع يؤدي إلى قرارات ضعيفة؟
النقاش الذي يبدأ بشكل خاطئ، ينتهي بقرار جيد ولكنه ليس الأفضل. النقاش الخاطئ هو الذي يبدأ بسؤال (ما رأيكم؟ /ما اقتراحاتكم؟)، هذا النوع من الأسئلة يفتح المجال للتفضيلات الشخصية، يضيّق التفكير فيصبح كل شخص على الطاولة يفكّر في مصالحه وما الذي يخدم قسمه وعمله، إضافةً إلى أنه يبث مشاعر الشكّ، التردد، والخوف من القرار الجديد. لذا يبدأ الأعضاء بالتحدث عن ما يريدونه، وليس عن ما هو أفضل للمؤسسة. فتخرجون بقرار ليس سيئًا، مقبول أو جيّد، لكنه ليس الأفضل.
الجانب الثاني الذي يجعل سؤال الجميع يؤدي لقرارات ضعيفة، هو أنك عندما تنتظر أن يوافق جميع الأعضاء على القرار، فأنت بلا وعي تمنح الجميع حق الاعتراض حتى لو كان الاعتراض مسألة شخصية ولا تخدم المؤسسة، وأيضًا بلا وعي نلاحظ أن الشخص الذي لديه اعتراض يصبح مسموع من الجميع، وكأن الاعتراض ميزة نمنحها لأي شخص يطرح (أي رأي) دون اعتبار للآراء التي تخدم المؤسسة بالفعل. وكأننا نكافئ الممانعة أو الوقوف في وجه الكل. وفي المقابل الشخص الذي يحاول أن يحسّن القرار ويبادر بطرح فكرة تحسينية، غالبًا يشعر بالثقل لأنه مُطالب باقناع الجميع بفكرته. وهذا لأن الاعتراض أسهل من أن نطرح أفكارًا بناءة.
لا أظن الحوار مع أشخاص يرمون اعتراضاتهم ويرحلون ينتهي بقرار قوي يلتزم به الجميع.
علاج الأعراض بدلًا من الجذر.
المحاولات التي باءت بالفشل جميعها تدور حول استخدام أدوات تسهّل النقاش، التصويت، تقليل الاجتماعات أو تقصيرها، معالجة الموضوع بزيادة عدد الافكار (جلسات العصف الذهني)، العمل على تمارين وأنشطة تزيد من تماسك الفريق -مع انه حتى الفريق المتماسك /المنسجم يتصارع أيضًا إذا لم يعرف كيف يقرر. جميع هذه الحلول المختلفة تتشابه في نقطة واحدة وهي أنها تعالج الظروف المحيطة بالقرار (الوقت، نقص الأفكار، المشاركة، البطء..) ولكنها لا تعالج طريقة اتخاذ القرار نفسها.
سؤال واحد يعالج الجذر بدلًا من الحلول السطحية.
بناء على النظام السوسيوقراطية -SCM \Sociocracy الذي طوّره المهندس الهولندي Gerard Endenburg. وهو نظام حوكمة مؤسسية مصمم لتوزيع سلطة اتخاذ القرار بشكل عادل، مما يضمن سماع جميع الأصوات دون أن تصبح العملية بطيئة بشكل يصعّب إدارتها. فإن فكرته تقول إن محاولة علاج مشكلة اتخاذ القرار الجماعي تنتهي بمجرّد أن نغيّر السؤال الذي يُطرح في بداية الاجتماع + نغيّر الهدف.
لا يكن هدفك هو سماع رأي واقتراحات الجميع. بكل بساطة غيّر هدفك ليصبح: (عدم وجود اعتراض جوهري) أو ما أسميه أنا بالاعتراض صحيح. والاعتراض الصحيح: هو الذي يُثبت أن الاقتراح سيُسبب ضرراً أو يُعيق العمل. أما التفضيلات الشخصية أو الخلافات الفلسفية فلا تُعتبر اعتراضات صحيحة. يكفي أن يكون القرار جيّد وآمن كفاية للتجربة، لا يُشترط حماس الجميع.
الموافقة بدل الإجماع.
إذاً عندما تحاول سماع رأي الأغلبية أو اقناعهم بالقرار فأنت تسير على مبدأ الاجماع، وهو يؤدي إلى بطء القرار وعدم الالتزام به أساسًا. بينما طريقة المهندس جيرارد تقوم فقط على فكرة عدم وجود اعتراض أي الموافقة. وهي طريقة تضمن أن الآراء التي تُطرح تخدم المؤسسة بالفعل لأننا فصلنا ما بين التفضيلات الشخصية والاعتراضات الجوهرية الصحيحة. وتضمن أيضًا أن الجميع سيلتزم بالقرار لأن الاتفاق لم يكن شكليًا، كان هناك مساحة لتحديد الاعتراضات الجوهرية الصحيحة بعيدًا عن الآراء الفلسفية التي تؤخر ولا تقدم. ولو كان هناك اعتراضات، القرار لايُلغى إنما يتم علاجها بطريقة مناسبة.
أخيرًا مثال لتوضيح الفكرة.
الموضوع: فريق يريد اختيار أداة جديدة.
طريقة الإجماع:
- ما رأيكم؟
- 3 أسابيع من النقاش.
- كل فرد يريد أداة مختلفة.
- القرار النهائي: أداة وسطية لا ترضي أحدًا.
- الالتزام: ضعيف
طريقة الموافقة:
- نقترح الأداة X ما الاعتراضات الجوهرية؟
- 30 دقيقة لسماع الاعتراضات ومعالجتها: مثلاً اذا كان الاعتراض أن التكلفة عالية حينها نحاول تعديل خطة الدفع. وإذا كان الاعتراض أنها لا تدعم اللغة العربية نحاول البحث عن إضافة. وإذا لم يكن هناك اعتراضات جوهرية القرار يمر.
- الالتزام: قوي، لأن الجميع سُمعوا، والاعتراضات تم علاجها.
لديك سؤال؟ تواصل معي أو